ابن المقفع
16
آثار ابن المقفع
قصة تتحدث عن واجبات الحاكم نحو رعيته ، وما يجب ان يكون عليه الحاكم من العدل والانصاف ، والبعد عن الهوى ، والاخلاص في خدمة الرعية والعمل على إسعادها . . كما يتحدث عن الاخلاق الفاضلة من صداقة خالصة ومودة صالحة . . وصدق في القول والعمل ، وتمجيد لآداب الضيافة والدعوة للأخذ بها . . ونجد في الكتاب مكانا رحبا لما يجب ان يأخذ به السلطان نفسه من حلم وعقل ، وتجنب الغضب ، وحفظ العهد والوفاء ووضع المعروف والاحسان في موضعهما ، وحسن السيرة ، واختيار الصالح من الأعوان والحرص على أهل الثقة منهم ، واستشارة أصحاب الرأي ، والعدل بين الرعية ، وحسن السياسة الخارجية ، وتقديم السلم على الحرب ، والتعاون مع من يحسن التعاون معهم من سفراء وولاة وعمال . . ومن هذا يبدو الكتاب في موضوعاته وفصوله واضحا بيّنا لا يعدو عن كونه قصة أو قصصا أخلاقية كما قدمنا ، تدعو للأخذ بمكارم الأخلاق ، وتنصح الملوك بمثل ذلك وأكثر ، ليظل ملكهم ثابت الأركان قائم البنيان . . ولكنها قصة فيها من المعاني الانسانية واللقطات الفلسفية ، والمثل الأخلاقية العالية ما يجعلها من الآثار الخالدة ، لا تقل في موضوعاتها وعمق معانيها وبعد أغوارها ، عن قصص شكسبير المسرحية ، التي ليست في الواقع وفي جوهرها غير أساطير مما سمع أو قرأ ، فأجراها شعرا ونظمها مسرحيات انسانية خلدت وستخلد ، إلى آخر ما يكون من ذريتنا . . وكليلة ودمنة ليست في نظري أقل من « فوست » لغوته الألماني ، ففيها ما في « فوست » من المعاني الفلسفية واللفتات الانسانية ، والمرامي الأخلاقية ، قرأها رجال من مختلف الجنسيات طوال المئات من الأعوام التي تقطعت على كتابتها ، وسيقرأها مثلهم ، إلى آخر الدنيا . . كتاب فيه من كنوز الحكمة المشرقية ، ما لا يوجد في كتاب مثله ، كما اجتمع في دفتيه من الفضائل والعبر والحكم والأمثال ما لم يجتمع في كتاب غيره ،